الشيخ عبد الغني النابلسي

400

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

في كل ما زعم إِنَّهُمْ [ الأنبياء : 74 ] ، أي تلك الطائفة كانُوا قوما فاسِقِينَ [ الأنبياء : 74 ] كما قال تعالى : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 54 ) [ الزخرف : 54 ] أي خارجين عما تعطيه العقول البشرية الصحيحة من إنكار ما ادعاه فرعون من الربوبية لهم باللسان الظاهر في العقل المقتضي للفرق دون الجمع فإن له ، أي للعقل حدا يقف عنده فلا يجاوزه إذا جاوزه ، أي ذلك الحد صاحب الكشف الذوقي واليقين العيني من أهل التحقيق . * * * ولهذا جاء موسى في الجواب بما يقبله الموقن والعاقل خاصّة . فَأَلْقى عَصاهُ وهي صورة ما عصى به فرعون موسى في إبائه عن إجابة دعوته فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [ الشعراء : 32 ] أي حيّة ظاهرة . فانقلبت المعصية الّتي هي السّيّئة طاعة أي حسنة كما قال : يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] يعني في الحكم . فظهر الحكم ههنا عينا متميّزة في جوهر واحد . فهي العصا وهي الحيّة والثّعبان الظّاهر ، فالتقم أمثاله من الحيّات من كونها حيّة والعصيّ من كونها عصا . فظهرت حجّة موسى على حجج فرعون في صورة عصيّ وحيّات وحبال . فكانت للسّحرة حبال ولم يكن لموسى حبل . والحبل التّلّ الصّغير أي مقاديرهم بالنّسبة إلى قدر موسى عند اللّه كنسبة التّلال الصّغيرة إلى الجبال الشّامخة . ولهذا ، أي لكون الأمر كذلك جاء موسى عليه السلام في الجواب عن سؤال فرعون بما يقبله العبد الموقن ، أي صاحب اليقين والعاقل ، أي صاحب العقل فقال أوّلا : إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ وثانيا : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ خاصة ، أي لا غيرهما ، فإن من لم يكن له يقين ولا عقل فلا جواب له من موسى عليه السلام فَأَلْقى موسى عليه السلام عند ذلك عَصاهُ التي كانت في يده وهي ، أي تلك العصا صورة ما ، أي الأمر الذي عصى به فرعون رسوله موسى عليه السلام ، وذلك مثال نفس فرعون العاصية في إبائه ، أي امتناعه عن إجابة دعوته ، أي دعوة موسى عليه السلام فَإِذا هِيَ ، أي تلك العصا ثُعْبانٌ مُبِينٌ [ الشعراء : 32 ] ، أي واضح مكشوف بحيث يعرفه كل أحد يعني حية ظاهرة فانقلبت المعصية التي هي السيئة التي عصى بها فرعون لموسى عليه السلام طاعة